الإرث الروحي للإمام أحمد بن إدريس المغربي في ماليزيا: جسر بين المغرب وجنوب شرق آسيا

إن تأثير الإمام أحمد بن إدريس المغربي (1760-1837) في المشهد الروحي الماليزي عميق بقدر ما هو خفي. فعلى الرغم من أن هذا العلامة المغربي الكبير لم تطأ قدماه جنوب شرق آسيا، إلا أن رؤيته للتصوف الإصلاحي، المتمحورة حول الإخلاص المباشر للنبي محمد (الطريقة المحمدية)، وجدت أرضًا خصبة في ماليزيا. واليوم، لا يزال هذا الإرث قائمًاويتم تحديثه على يد شخصيات معاصرة بارزة.
انتشار تاريخي: من شبه الجزيرة العربية إلى جنوب شرق آسيا
لم يسع الإمام أحمد بن إدريس إلى تأسيس طريقة صوفية جامدة خلال حياته. فقد كانت تعاليمه تهدف في المقام الأول إلى إحياء السنة وتطهير الممارسة الروحية. وكان تلاميذه هم الذين قاموا بهيكلة تعاليمه في طرق رسمية، ولا سيما فرع الإدريسية.
ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، ترسخت الطريقة الإدريسية في شبه جزيرة الملايو، وخاصة في ولايتي نيجيري سمبيلان وكلانتان. وهناك، تميزت بنهجها المتوازن، الذي يجمع بين صرامة العقيدة السنية والسعي الروحي المكثف، مما عزز الانسجام بين الشريعة والحقيقة.

الشيخ محمد فؤاد بن كمال الدين: مهندس التجديد
في القرن الحادي والعشرين، يعتبر الشيخ محمد فؤاد بن كمال الدين بلا شك الشخصية البارزة لهذا الإرث في جنوب شرق آسيا. فهو كزعيم روحي وفكري، يجسد التوليف بين التقاليد العريقة والدقة الأكاديمية الحديثة.
جسر أكاديمي بين الرباط وكوالالمبور
في ديسمبر 2017، تم إنشاء كرسي الإمام أحمد بن إدريس للدراسات الإسلامية في جامعة محمد الخامس بالرباط.
وفي ديسمبر 2025، صنع الشيخ محمد فؤاد تاريخًا في التبادل الثقافي المغربي الماليزي من خلال مناقشة أطروحته للدكتوراه في جامعة محمد الخامس بالرباط. وهذا البحث الضخم الذي يحمل عنوان “الإمام أحمد بن إدريس المغربي وجهوده في العلوم الإسلامية ونشر القيم الصوفية”، لا يحلل أعمال الإمام فحسب، بل يقيم جسرًا فكريًا دائمًا بين التقاليد الأكاديمية في المملكة المغربية وماليزيا.



مأسسة المعرفة
وبعيدًا عن البحث، عمل الشيخ على إدامة هذا الإرث من خلال هياكل تعليمية ملموسة. فمن خلال تأسيس “مؤسسة الصفا” و”كلية الصفا الإسلامية”، أنشأ إطارًا يتم من خلاله تدريس العلوم الإسلامية التقليدية والروحانية للطريقة الإدريسية للأجيال الجديدة. وتساعد هذه المؤسسات على تكوين مواطنين متجذرين بعمق في عقيدتهم، وقادرين في الوقت نفسه على الإبحار في العالم الحديث.
بصمة يومية: الأوراد والقيم
يمتد تأثير المدرسة الإدريسية في ماليزيا إلى ما هو أبعد من الأوساط العلمية، فهو يتخلل الحياة اليومية لآلاف المؤمنين من خلال ركيزتين أساسيتين:
- ممارسة الإحسان: تشجع تعاليم الإمام على الاجتهاد والممارسة الروحية النشطة. وبعيدًا عن الدعوة إلى الانعزال عن العالم، تشجع المدرسة الإدريسية على الاندماج المتناغم في المجتمع.
- الأوراد النبوية: يتلو أتباعه يوميًا الأدعية الشهيرة التي نقلها الإمام، وتهدف هذه الأدعية إلى تنمية الحضور الدائم مع الله والحب العميق للنبي، وهما من أركان العقيدة المحمدية.




