سلايدرمجتمع

الحقائق قبل الأحكام: المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية يوضّح معطياته ويرفض الاتهامات المجانية

في وقت تشهد فيه الساحة الغذائية المغربية تصاعداً في بعض الادّعاءات — من قبيل “طحن أوراق بدل الحبوب” في الدقيق المدعّم ووجود “مواد مسرطنة” في الجبن القابل للدهن —، يواجه المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية المعروف اختصارا “أونسا ONSSA ” موجة انتقادات تحمل شبه اتهامات بالتقصير أو الإهمال.

لكن مراجعة دقيقة للمعطيات تكشف أن الأداء الرسمي ليس بهذه الصورة السلبية المطلقة، وأن هناك مؤشرات جدّية تُبين أن الجهة المكلفة بالمراقبة تقوم بعملها ضمن نطاق اختصاصها. من هنا، يتوجّب على الصحافة والمواطن أن يفرّقا بين الشبهات الجدّية والممارسات المؤسسية.

أونسا أوضحت أنها تعتمد برنامجاً وطنياً سنوياً لمراقبة المطاحن، يشمل أخذ عينات وتحاليل مخبرية لكشف ملوّثات مثل الأفلاتوكسين، الأوكراتوكسين A، الزيرالينون، وكذلك مطابقة الدقيق من حيث نسب المعادن والرطوبة والبروتين.

الأرقام المعلنة تُشير إلى أنّه تم أخذ نحو 710 عينات في 2024 وتم حجز وإتلاف 38 طناً من الدقيق غير المطابق، وإحالة 89 ملفاً للجهات المختصة. وفي 2025 حتى سبتمبر تم أخذ 577 عينة، حجز وإتلاف 33 طناً، وإحالة 60 ملفاً.

المؤسّسة تمنح التراخيص للمطاحن (191 ترخيصاً حتى 2025) بعد التحقق من معايير النظافة والسلامة.
هذه المعطيات تُظهر أن الجهاز الإداري والمراقبة ليس غائباً، بل هناك نشاط ومتابعة.

في ما يخص ادّعاء طحن الأوراق في الدقيق: أونسا ردّت رسمياً بأن “هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة” وأنها مجرد مغالطة.
وفي موضوع الجبن، بعد انتشار تحليل يُفيد بوجود مضافات “مسرطنة” في منتج يُباع بالمغرب، أكدت أونسا أنّ المضافات الغذائية المستعملة في الأجبان للدهن والمذابة “لا تشكّل أي خطر على صحة المستهلك” عندما تنتهج المؤسسات المرخّصة مسطرة العمل المعمول بها،وهذا يدلّ على أن المؤسسة لم تلتزم الصمت، بل أعطت توضيح سريع و تقني.

أونسا تعمل بموجب القانون رقم 25-08 (18 فبراير 2009)، ما يؤطّر مهامها في المراقبة والاستشارة، وليس في ما قد يُعتبر إدارة كاملة لسلسلة الإنتاج أو المسؤولية عن كل خطأ فردي.
ومن ثم، تحميل المؤسسة المسؤولية الكاملة عن كل خلل منتج أو إداري ليس دقيقاً من وجهة نظر تقاسم المهام المؤسسية مع باقي المتدخلين.

غالبية حديث الإعلام والمواقف المنتقدة تستخدم عبارات قوية (“طحن أوراق” – “مواد مسرطنة”) لكنها غالباً تمثل تضخيمات أو ادعاءات مجازيّة. مثلاً، النائب الذي أشار إلى “طحن الأوراق” أوضح لاحقاً أن المقصود كان “تلاعباً بالوثائق والفواتير” وليس حرفاً طحن الورق مع الحبوب.
في ظل هذا، فإن توجيه الاتهام المباشر بأن الجهاز – وتحت قيادته المدير العام – “أهمل” أو “قصّر” ينبغي أن يُبنى على دليل مباشر ،وليس فقط على شعور عام أو الانجرار خلف ظاهرة البوز BUZZ .

لا يُعني هذا النصّ أن كل الأمور مثالية. من باب الإنصاف يجب الإشارة إلى نقط تفصيلية تستحق المتابعة:

مهمة المراقبة قد تواجه تحديات تقنية أو لوجستية (عدد الزيارات، عدد الموظفين، تغطية المناطق النائية) وهي نقاط لم تُغطَ بالكامل في التصريحات الإعلامية.

وبناءً على الوقائع المتاحة، يمكن القول إن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية ليس مسؤولاً بطريقة متهورة عن كل ما يُشهده القطاع، بل إنّ الجهاز بعث برسائل واضحة بأن المراقبة قائمة وإنّه يقف عند الخطوط الحمراء.

الاتهامات بالتقصير أو الإهمال – في غياب دليل واضح ومحدد – تبدو مبالغاً فيها إن جاز التعبير و خاصة إن كانت وراءها أطراف غامضة هدفها نفث سموم الهلع و التشكيك بين المواطنين تدخل في أجندات لزعزعة السلامة الغذائية للمغرب و خاصة في هاته الظرفية بالضبط.
وبالنسبة للمواطن، الرسالة التي ينبغي أن تخرج منها هذه المعطيات هي: نعم يجب مراقبة الجهاز ومسؤوليته، لكن يجب أن تُبنى النقاشات على المعطى الصحيح، لا على الشائعات أو الادّعاءات الغامضة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى