متفرقات

الرئيس التوكاييف في ندوة أستانا الدولية: “القبيلة الذهبية” إرث إنساني مشترك وركيزة أساسية للهوية الوطنية الكازاخستانية

شهدت العاصمة الكازاخستانية أستانا، أعمال الندوة الدولية الرفيعة المستوى تحت عنوان “القبيلة الذهبية كنموذج لحضارة السهوب: التاريخ، الآثار، الثقافة، والهوية”، وذلك بحضور ومشاركة بارزة من رئيس جمهورية كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف. وجمعت الندوة أكثر من 350 مندوباً، من بينهم ممثلون عن منظمات دولية، ونخبة من أبرز المؤرخين وعلماء الآثار والباحثين المتخصصين في تاريخ السهوب العظمى والقبيلة الذهبية من داخل كازاخستان وخارجها.

وفي كلمته الافتتاحية، شدد الرئيس توكاييف على الأهمية البالغة للبحث العلمي الموضوعي والبعيد عن التسييس لتاريخ “القبيلة الذهبية” (Ulus of Jochi)، مستعرضاً الأبعاد الحضارية لهذا الكيان التاريخي العملاق، وضرورة تعزيز التعاون الأكاديمي الدولي لدراسة التراث المشترك للسهوب العظمى. كما سلط الضوء على الجهود المستمرة التي تبذلها كازاخستان للحفاظ على الإرث التاريخي والفكري وتحديثه والترويج له عبر البحوث، والتعليم، والمبادرات الرقمية، والمشاركة الثقافية الدولية.

الأهمية التاريخية والحضارية للقبيلة الذهبية

اعتبر المشاركون في الندوة أن القبيلة الذهبية كانت واحدة من أكبر الكيانات السياسية في عصرها، حيث حكمت أراضٍ شاسعة امتدت عبر أوراسيا، وشكلت همزة وصل تجارية وثقافية فريدة بين الشرق والغرب. وأكدت النقاشات أن تاريخ القبيلة الذهبية لعب دوراً محورياً في تشكيل الحضارات، وبناء الدول، والتطور التاريخي للسهوب العظمى، مؤكدين أن هذا التاريخ يظل ذا أهمية بالغة اليوم ويشكل جزءاً أساسياً من التاريخ الوطني لكازاخستان والتاريخ البشري الأوسع.

ودعا الرئيس توكاييف إلى ضرورة النظر إلى سجلات القبيلة الذهبية كجزء من التراث المشترك للإنسانية، وليس كإرث حصري لأمة واحدة، مشيراً إلى أن حضارة السهوب قدمت نموذجاً حضارياً متميزاً قام على التنقل، والتجارة، والتفاعل الخلاق بين المجتمعات البدوية والحضرية.

التنمية الاقتصادية والتجارة العابرة للقارات

أوضح الخبراء خلال الندوة أن الإمبراطورية سيطرت على طرق التجارة الرئيسية في أوراسيا، وحولت منطقة السهوب إلى ممر ترانزيت آمن يربط بين الشرق والغرب. وتميزت القبيلة الذهبية بتأسيس أنظمة نقدية وتجارية متطورة، شملت إنتاجاً مكثفاً للعملات المعدنية وازدهاراً للمراكز التجارية، حيث اعتُبر التفاعل بين تقاليد السهوب والحضارة الحضرية محركاً رئيسياً لازدهار الدولة وقدرتها العالية على التكيف.

تعاون أكاديمي دولي وشراكة استراتيجية مع اليونسكو

تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO)، تسعى الندوة إلى تعزيز التعاون مع المجتمع الأكاديمي الدولي لإجراء دراسة منهجية ومتعددة الأوجه للقبيلة الذهبية. وثمّنت كازاخستان عالياً شراكتها مع اليونسكو في الحفاظ على التراث الثقافي المادي وغير المادي والترويج له، حيث سلطت الضوء على الوثيقة التاريخية الفريدة “مخطوطة أنساب الخانات” التي تحتوي على سجلات تاريخية لا تقدر بثمن ترتبط بحقبة القبيلة الذهبية.

الاستمرارية التاريخية والهوية الوطنية الكازاخستانية

أكدت الندوة أن كازاخستان ترى نفسها وريثاً مباشراً لتقاليد بناء الدولة التي أسستها القبيلة الذهبية والسهوب العظمى. ويُنظر إلى الحفاظ على الاستمرارية التاريخية والتراث الثقافي كعنصر أساسي للتجديد الوطني والتنمية المستقبلية، حيث تم إبراز مفهوم “مانغيليك إل” (الأمة الأبدية) كفكرة تاريخية وسيادية جوهرية موروثة من ذلك العصر. وتعمل الدولة حالياً على تحديث هذا الإرث وترويجه عبر الأبحاث الأكاديمية، والمبادرات الثقافية، والمنشورات، والأفلام، والمعارض، والنصب التذكارية.

الابتكار والتحول الرقمي: “الرحّل الرقميون” والذكاء الاصطناعي

في لفتة تدمج الماضي العريق بالمستقبل التكنولوجي، أكد الرئيس توكاييف على أهمية ربط التراث التاريخي بالابتكار والتعليم والعلوم والتقنيات المتقدمة. وتستثمر كازاخستان بنشاط في الذكاء الاصطناعي، البنية التحتية الرقمية، ممرات النقل، ومراكز تخزين البيانات كجزء من أجندة التحديث الشاملة.

وفي هذا السياق، أُعلن أن كازاخستان ستستضيف أولمبياد دولياً للذكاء الاصطناعي تحت رعاية اليونسكو بمشاركة طلاب من 100 دولة، كما تم طرح مفهوم “الرحّل الرقميين” (Digital Nomads) كإنعكاس حديث للديناميكية الحركية والمرونة التي ميزت حضارة السهوب تاريخياً.

مبادرات ومؤسسات بحثية جديدة لربط الشعوب

لضمان استدامة هذه الجهود العلمية، أسست كازاخستان “معهد دراسة أولوس جوشي” كأول مؤسسة أكاديمية متخصصة مكرسة بالكامل للقبيلة الذهبية. كما تم تقديم مقترح لإنشاء “المركز الدولي لتعزيز حضارة السهوب”، إلى جانب الدعوة لتعاون بحثي دولي أوسع ومشروعات نشر ضخمة بمشاركة خبراء دوليين.

واختتمت الندوة بالتأكيد على جعل هذه الفعالية منصة دولية دورية للحوار الأكاديمي، وبناء جسور التواصل والتعاون بين الدول التركية والتفاعل الأوراسي الأوسع، ترسيخاً لقيم الانفتاح، والعدالة، والحوار بين الثقافات، ليكون التاريخ دائماً جسراً يربط بين الشعوب لا أداة للانقسام أو المواجهة الجيوسياسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى